أبي حيان الأندلسي
444
البحر المحيط في التفسير
قصدا إليها : ونفي الوحدة يدل على أنه لا إثم ولا كفارة ، فيضعف قول من قال : إنها تختص بالإثم ، ويفسر اللغو باليمين المكفرة ، وسئل الحسن عن اللغو ، والمسبية ذات الزوج ، فوثب الفرزدق وقال : أما سمعت ما قلت : ولست بمأخوذ بشيء تقوله * إذا لم تعمد عاقدات العزائم ؟ وما قلت : وذات حليل أنكحتنا رماحنا * حلالا ، ولولا سبيها لم تطلق ؟ فقال الحسن : ما اذكاك لولا حنثك . باللغو : متعلق : بيؤاخذكم ، والباء سببية ، مثلها في وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ « 1 » فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ « 2 » . وفي أيمانكم ، متعلق بالفعل ، أو بالمصدر ، أو بمحذوف ، أي : كائنا في أيمانكم ، فيكون حالا ، ويقربه أنك لو جعلته في صلة : الذي ، ووصفت به اللغو لاستقام . وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي باليمين التي للقلب فيها كسب ، فكل يمين عقدها القلب فهي كسب له ؛ وكذلك فسر مجاهد الكسب بالعقد ، كآية المائدة بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ « 3 » ، وقال ابن عباس ، والنخعي : هو أن يحلف كاذبا أو على باطل ، وهي الغموس ؛ وقال زيد بن أسلم : هو أن يعقد الإشراك بقلبه إذا قال : هو مشرك إن فعل كذا ، وقال قتادة : بما تعمد القلب من المآثم . وهذا الذي ذكره تعالى : من المؤاخذة ، هو العقوبة في الآخرة إن كانت اليمين غموسا ، أو غير غموس وترك تكفيرها ، والعقوبة في الدنيا بإلزام الكفارة إن كانت مما تكفر . واختلفوا في اليمين الغموس ، فقال مالك ، وجماعة : لا تكفر ، وهي أعظم ذنبا من ذلك . وقال عطاء ، وقتادة ، والربيع ، والشافعي : تكفر ، والكفارة مؤاخذة . والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب ، وهي المصبورة ، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ، ومصبورة لأن صبرها مغالبة وقوة عليها ، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي .
--> ( 1 ) سورة النحل : 16 / 61 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 29 / 40 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 89 .